2013/04/19

هل يعتبر مسلم البراك هارباً وفق القانون؟


عطفاً على مقالنا السابق بشأن تنفيذ الحكم القضائي الصادر ضد عضو مجلس الأمة السابق مسلم البراك بالحبس خمس سنوات بتهمة العيب بالذات الأميرية، و الذي تناولنا فيه حق من أدين بحكم قضائي مشمول بالنفاذ أن يطلب من جهة التنفيذ إطلاعه على أمر التنفيذ، هل يعتبر مسلم البراك هارباً؟
أو بعبارة أخرى، بعد صدور حكم قضائي مشمول بالنفاذ الفوري بالحبس لمدة خمس سنوات مع الشغل و النفاذ، هل يعتبر مسلم البراك هارباً وفق القانون؟
حدد القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٦٠ بشأن الإجراءات و المحاكمات الجزائية الأحوال التي يعتبر فيها المتهم هارباً و الإجراءات الواجب إتخاذها في الإعلان عن المتهم الهارب و إلقاء القبض عليه. فقد بيّنت المادة ١٢٣ من القانون—و على وجه التحديد—الأحوال التي يعتبر فيها المتهم هارباً، و هي:

  1. إذا كان قد قُبض عليه أو حُبس، ثمّ فرّ من القبض أو الحبس.
  2. إذا كان قد صدر أمر قانوني صحيح بالقبض عليه، و لكن لم يمكن تنفيذه، و توافرت لدى الآمِر قرائن قوية على أن المطلوب القبض عليه قد أخفى نفسه.
  3. إذا كان قدر صدر أمر قانوني صحيح بالقبض عليه، و لكن لم يمكن تنفيذه، و لم يكن من المحتمل إمكان ذلك فيما بعد، لأن المتهم ليس له محل إقامة معرّف في الكويت.



و كما هو معلوم، فإن عضو مجلس الأمة السابق مسلم البراك لم يقم بالفرار بعد أن تم القبض عليه أو حبسه. و هذا يعني أن البند أولاً من المادة السابقة لا ينطبق على حالة البراك. الحالتان الأخرتين في المادة (المذكورين في البندين ثانياً و ثالثاً) يشترطان صدور أمر قانوني صحيح بالقبض على المتهم، و هو ما لم يتم أيضاً في حالة البراك الذي أعلن استعداده التام لتنفيذ الحكم الصادر ضده عند إطلاعه على الأمر الصادر بتنفيذ الحكم.

و في حال اعتبار المتهم هارباً من العدالة، فعلى السلطات الإعلان عن هربه و نشر الإعلان في الجريدة الرسمية متضمّناً أمر حضوره (المادة ١٢٤)، و يترتب على هذا الإعلان جواز إلقاء القبض عليه من قبل رجال الشرطة أو أي فرد عادي (المادتين ٥٨ و ١٢٥).

و في كل الأحوال، فإن مسلم البراك رجل سياسي بارز و عضو سابق في البرلمان، علاوة على أن محل إقامته معروف و قد ظهر في العديد من وسائل الإعلام المحلية و الأجنبية متحدثاً حول حكم حبسه منذ صدور الحكم. و قد أعلن البراك عدة مرات عن استعداده الكامل لتسليم نفسه و تنفيذ الحكم القضائي وفق الإجراءات القانونية. كل ما سبق يثير المزيد من الشكوك و التساؤلات حول تعامل وزارة الداخلية مع القضية و ما إذا كانت هناك دوافع سياسية لهذا التعامل.

2013/04/18

تنفيذ الحكم الصادر ضد مسلم البراك: نظرة في قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية ١٩٦٠/١٧


بعيداً عن النقد أو التحليل القانوني للحكم القضائي الصادر في قضية أمن الدولة رقم ٢٠١٢/١٥ المرفوعة من النيابة العامة ضد عضو مجلس الأمة السابق السيد مسلم البراك و المعروفة شعبياً بقضية «لن نسمح لك»، و بعيداً عن الرأي السياسي في حكم المحكمة برئاسة المستشار السيد وائل العتيقي و رفضها لطلبات المتهم بضرورة استدعاء شهود النفي، و بعيداً عن الرأي السياسي في مسألة انتقائية السلطة التنفيذية في تنفيذ الأحكام القضائية و دورها في إرساء مبدأ سيادة القانون، و بعيداً عن تعسف السلطة التنفيذية و استخدامها للقوة غير المبررة في فيتطبيق القانون أو تنفيذ الأحكام القضائية، بعيداً عن كل هذا فإنه لا يخفى على عاقل الأخطاء الجسيمة التي وقعت بها السلطة التنفيذية ممثلةً بوزارة الداخلية في الجانبين القانوني و السياسي في محاولاتها لتنفيذ الحكم سالف الذكر.
إقرأ النص الكامل للحكم هنا
باختصار—لمن لم يتابع القضية—فقد أصدرت المحكمة بتاريخ ٢٠١٣/٤/١٥ حكمها بإدانة مسلم البراك بتهمة الطعن في حقوق الأمير و سلطته، و العيب بالذات الأميرية، و التطاول على مسند الإمارة و ذلك على إثر خطاب البراك المعروف بخطاب «لن نسمح لك» في ندوة «كفى عبثاً» في أكتوبر ٢٠١٢ و حكمت المحكمة بحبسه خمس سنوات مع الشغل و النفاذ. و بالمناسبة فإن هذا الحكم هو حكم أول درجة إلا أنه مشمول بالنفاذ الفوري. فور صدور الحكم، صرح البراك بأنه على استعداد تام لتنفيذ الحكم رغم اقتناعه أنه باطل وفق حيثيات التقاضي.
و أنا جاهز في كل الأحوال و أقول لإدارة التنفيذ الجنائي أنتم موظفون لكم عندي أمرين «فنجان أشقر» و «حشيمة و كرامة». [] و حقي عليهم أمر تنفيذ الحكم بصورته الأصلية مع أن الحكم باطل.
بعد تصريح البراك بوقت قصير، توجه مدير إدارة التنفيذ الجنائي في وزارة الداخلية إلى ديوان البراك في منطقة الأندلس لتنفيذ الحكم بدون أي أمر أو قرار بالتنفيذ مما حدا بمحامي مسلم البراك رفض تسليمه إلا بعد الإطلاع على أمر التنفيذ.
تسجيل لما دار بين مدير إدارة التنفيذ الجنائي في وزارة الداخلية و أحد محامي مسلم البراك
و لعل أكثر ما دفعني لكتابة هذا المقال هو تصريح بعض المحامين و أساتذة القانون و ناشطين آخرين بعدم جواز طلب من صدر بحقه حكم قضائي مشمول بالنفاذ أن يطلب من جهة التنفيذ إطلاعه على أمر التنفيذ.
و قد ذهب بعض هؤلاء إلى أن المقصود من ما جاء  بالمادة ٦٣ من القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٦٠ بشأن الإجراءات و المحاكمات الجزائية (نص المادة أدناه) هو حالات القبض بمعرفة المحقق دون غيرها من الحالات الأخرى حيث أن المادة تندرج تحت أحد فصول القانون الخاصة بالقبض بمعرفة المحقق.
 
و مما لا شك فيه أن هناك من حاول—إما عن جهل أو تعمّدخلط المفاهيم. فقد أوردت المادة ٦٣ من القانون ١٩٦٠/١٧ إجراءات القبض بنص عام و دون تحديد ما إذا كان هذا القبض على شخص متهم أو على شخص مدان بحكم قضائي نافذ. فقد نصت المادة على التالي:

كل أمر بالقبض يجب أن يكون مكتوباً و مؤرخاً و موقعاً عليه ممن أصدره مع بيان صفته. و يبين فيه اسم المطلوب القبض عليه و محل إقامته و كل ما يلزم لتعيينه، و سبب الأمر بالقبض. و إذا لم ينفذ الأمر خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره فإنه يسقط، و لا يجوز تنفيذه بعد ذلك إلا إذا صدر أمر كتابي بتجديده.و على القائم بتنفيذ أمر القبض أن يخطر به الشخص المطلوب القبض عليه، و أن يطلعه على نص الأمر إذا طلب ذلك.

كما هو واضح، لا يوجد في المادة أي تحديد لصفة الشخص المطلوب القبض عليه، خصوصاً أنها بدأت بعبارة كل أمر قبض“ لتأكيد قصد المشرع من انطباق المادة على كل أوامر القبض. و يتضح هذا المقصد عند النظر إلى المواد ٤٨–٦٨ من القانون و التي تنظم مسألة القبض. فمن الملاحظ استخدام المشرع لمفردة المتهم“ أو المتهمين“ في المواد التي قصد فيها الأفراد المتهمين بجنحة أو جناية أو جريمة مشهودة، و استخدام مفردة شخص“ أو أشخاص“ في النصوص التي تفيد العمومية.
و مما يثبت خطأ ما ذهب إليه البعض بشأن عدم جواز إلقاء القبض على من صدرت في حقه أحكام قضائية غيابية مشمولة بالنفاذ أو على المتهمين الهاربين في حال عدم وجود أمر بتنفيذ حكم أو بإلقاء قبض، مما يثبت خطأ هؤلاء هو ما بيّنته المواد ٥٣٥٨ من القانون في الحالات التي يجوز فيها لرجال الشرطة القبض على الأفراد بدون أمر، حيث أعطت المادة ٥٨ للفرد العادي—علاوة على رجل الشرطة—الحق في إلقاء القبض على المتهمين في حالات معينة. أنظر المواد أدناه.

و مما يؤكد قصد المشرع أيضاً ما ورد في المادة ٢٢٦ من القانون من أنه
لا يجوز القبض على شخص أو حبسه إلا بأمر صحيح صادر من السلطة المختصة، و بالشروط و الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
و من الجدير بالقول أن الإحالة الواردة في نهاية الفقرة الأولى من المادة ٢٢٦و التي أحال فيها المشرع إلى الشروط و الإجراءات المنصوص عليها في القانونهي إحالة إلى ما جاء في المادة ٦٣ من القانون نفسه بشأن إجراءات إلقاء القبض.

و أخيراً، نورد ما جاء في المادة ٢١٦ من القانون و التي جاءت في فصل تنفيذ الأحكام، فقد بيّنت المادة الإجراءات الواجب اتباعها بعد صدور حكم قضائي مشمول بالنفاذ.

و في النهاية، كل ما على جهة التنفيذ بعد استلام أمر النيابة العامة بتنفيذ الحكم، كل ما عليها هو إرسال أمر التنفيذ متضمناً منطوق الحكم إلى النائب السابق مسلم البراك أو محاميه.

2013/04/11

قانون الإعلام الموحد الجديد غير قابل للتطبيق


وافق مجلس الوزراء الكويتي في وقت سابق من هذا الأسبوع على مشروع قانون بشأن الإعلام الموحد (إقرأ النص الكامل لمشروع القانون هناو ذلك تمهيداً لإحالته إلى مجلس الأمة لمناقشته و إصداره بقانون. و قد أثارت مواد مشروع القانون جدلاً واسعاً بين أوساط المراقبين حول تقييد حرية الإعلام و فرض عقوبات قاسية على وسائل الإعلام.

و قد جاء مشروع القانون الجديد بديلاً للقانون رقم 3 لسنة 2006 بشأن المطبوعات و النشر و القانون رقم 61 لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي و المسموع، إلا أنه ضم و للمرة الأولى فصلاً بشأن الإعلام الإلكتروني (الفصل التاسع) و هو الفصل الأكثر إثارة للجدل.

أحد مكامن القصور في مشروع القانون هو التعريف الواسع للكيانات المقصودة في تطبيق أحكامه و التي وردت في المادة 1 منه. فعلى سبيل المثال، أوردت المادة المقصود بالـ موقع الإلكتروني كالتالي:
الصفحة أو النطاق أو الرابط أو الموقع الذي ينشأ أو يخصص أو يمنح على شبكة الانترنت و يمكن الغير من الإطلاع أو المشاهدة أو الإستماع إلى المحتوى المنشور به، أو بالاشتراك أو المشاركة أو التفاعل أو التداخل بأي صورة من الصور
من الواضح عدم تحديد نص الفقرة السابقة (أو أي نص آخر من مشروع القانون) لإقليم جغرافي محدد—كإقليم دولة الكويت و توابعها—تسري فيه أحكام القانون (الإختصاص المكاني). فمن المعروف أنه لا يملك المشرّع الكويتي أساساً وضع تشريعات خارج نطاق الولاية القانونية الكويتية أو خارج الإختصاص المكاني، خاصةً إذا كان هذا المكان يقع تحت سيادة دولة أخرى. فحسب النص الحالي للقانون، تعتبر جميع النطاقات و الصفحات و المواقع على شبكة الإنترنت مواقعاً إلكترونية تقع تحت طائلة هذا القانون بما فيها المواقع الأجنبية، و بالتالي لا يجوز لها مزاولة أي من الأنشطة الواردة في البند «أ» من المادة 51 إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارة الإعلام الكويتية (إقرأ النص الكامل لمشروع القانون هنا).


و في السياق نفسه، حظر مشروع القانون طبع أو نشر أو بث أو إعادة بث أو عرض الأنشطة الواردة في المادة 84 من القانون. و قد تشمل مفردة نشر هنا مفهوم النشر الإلكتروني كما جاء تعريفه في المادة 1 من القانون على أنه
نقل أو بث أو إرسال أو استقبال البيانات و المعلومات و المواد المرئية و المسموعة و المكتوبة سواء كانت نصوصاً أو مشاهد أو اصواتاً أو رسومات أو صوراً ثابتة أو متحركة باستخدام الأجهزة الإلكترونية وغيرها من الأدوات الحديثة بكافة أنواعها ومسمياتا من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) وغيرها من وسائل التقنية الحديثة والمتطورة، وذلك بقصد التداول
و بحسب الشكل الحالي لمشروع القانون، فإن الحظر الوارد في المادة 84 منه يمتد ليشمل جميع المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت و هو ما يستحيل تطبيقه عملياً.

قد يكون ما قصده المشرّع من الفصل التاسع هو اقتصار تطبيق أحكام القانون على المواقع الإلكترونية الكويتية فقط دون غيرها، و لكن ما هو معيار تحديد ما إذا كان الموقع كويتياً؟ فمن غير المنطقي أن يتم التحديد بناءاً على جنسية مالك الموقع مثلاً أو على محتواه. فقد يتخصص موقع إلكتروني معين بتغطية أخبار الشأن الكويتي دون وجود أي كيان قانوني له داخل دولة الكويت. الحل المنطقي الوحيد هو الاعتداد بالمكان الجغرافي لخادم (سيرفر) الموقع الإلكتروني لاعتباره كويتياً و بالتالي سريان القانون عليه. إلّا أن هذا الحل قد يخرج الغالبية العظمى من المواقع الإلكترونية من نطاق القانون و هو ما قد يكون الهدف الأساسي من وضعه، حيث أن أغلب الخوادم (السيرفرات) المستخدمة من قبل المواقع الإلكترونية تقع في الولايات المتحدة الأمريكية و تخضع للقانون الأمريكي.

وضع معايير موضوعية لتحديد المواقع الإلكترونية التي تسري عليها أحكام هذا القانون ستظل معضله يصعب حلها.

2012/11/11

الجزء المتبقي من قانون التجمعات بعد إلغاء المحكمة الدستورية لبعض مواده

تمهيد

بعد نشر الدراسة السابقة بشأن جواز تنظيم و إقامة المسيرات السياسية، وردت إلي بعض الأسئلة و التعليقات من القراء و المهتمين، و قد دفعني هذا إلى الإطلاع على آراء الفقهاء مثل د. محمد الفيلي، د. ثقل العجمي، د. فيصل الكندري، د. ابراهيم الحمود، و غيرهم. و دفعني هذا أيضاً لقراءة نص حكم المحكمة الدستورية الصادر في ١ مايو ٢٠٠٦ في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥ (دستوري) مرة أخرى قراءةً متأنية.

تناولت في الدراسة السابقة موضوع المسيرات السياسية من خلال ثلاث مباحث شملت دستور ١٩٦٢، القوانين الصادرة بشأن الإجتماعات، و الإتفاقيات و العهود الدولية التي صدقت عليها دولة الكويت. في مقالي هذا سأتناول بالتفصيل المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات و ما تبقى من هذا المرسوم بالقانون بعد حكم المحكمة الدستورية الصادر في ١ مايو ٢٠٠٦ في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥.


مقدمة

صدر المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ في شأن الإجتماعات العامة و التجمعات في ١٠ أكتوبر ١٩٧٩ في فترة الحل غير الدستوري لمجلس الأمة—أو ما يعرف أيضاً بالإنقلاب الأول على الدستور و ذلك بعد صدور الأمر الأميري بتنقيح الدستور في ٢٩ أغسطس ١٩٧٦.

و قد جاء المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ بثلاثة أبواب كان الباب الأول منها بشأن الإجتماعات العامة، ثم نظم الباب الثاني المواكب و المظاهرات و التجمعات، ثم جاء الباب الثالث في بيان الجزاءات على ما فرضته أحكام المرسوم بالقانون من تنظيمات في شأن الإجتماعات العامة و المواكب و المظاهرات و التجمعات. و من الجدير بالذكر أن المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ (و قبله القانون ١٩٦٣/١٣) وضع تفصيلاً للصور المختلفة للإجتماعات العامة التي ورد ذكرها في المادة ٤٤ من دستور ١٩٦٢ و جاء تفصيلها في مذكرته التفسيرية.

فقد نصت المذكرة التفسيرية على ”أما الإجتماعات العامة سواء كانت في صورتها المعتادة في مكانٍ معينٍ لذلك، أو أخذت صورة مواكب تسير في الطريق العام، أو تجمعات يتلاقى في الناس في ميدان عام مثلاً، فهذه على اختلاف صورها السابقة لا تكون إلا وفقاً للشروط و الأوضاع التي يبينها القانون“. و نصت المذكرة التفسيرية لدستور ١٩٦٢ كذلك على أن ”تحديد المعنى الدقيق للإجتماع العام و المعيار الذي يفرق بينه و بين الإجتماع الخاص أمرٌ يبيّنه بالتفصيل اللازم القانون الذي يصدر بهذا الخصوص“. و يتضح مما جاء في المذكرة التفسيرية لدستور ١٩٦٢ أن المواكب و التجمعات ما هي إلا صوراً أخرى للإجتماعات العامة. و مما جاء في المادة ٤٤ من الدستور، فإن الأصل في الإجتماعات العامة—على اختلاف صورها—هو الإباحة.


المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات


بيّن المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ في بابه الأول—و الذي يتكوّن من ١١ مادة—بيّن المعنى المقصود بالإجتماع العام، حيث عرّف المرسوم بقانون الإجتماع العام على نحوٍ يوسّع نطاقه و يضيّق نطاق الإجتماع الخاص الذي جعله الدستور مباحاً دون شروط يحددها القانون. فقد اعتبرت المادة ١ إجتماعاً عاماً كل اجتماع يستطيع حضوره عشرين شخصاً على الأقل لمناقشة موضوع أو موضوعات عامة أو أمور تتعلق بفئة أو فئات معينة. و قد بيّنت المادتين ٢ و ٣ ما لا يعتبر اجتماعاً عاماً في تطبيق أحكام القانون كالإجتماعات الدينية، و الإجتماعات التي تدعو إليها الجهات الحكومية، و الإجتماعات التي تعقدها الهيئات النظامية—كالنقابات و الإتحادات و الجمعيات و الأندية و الشركات—و ما جرى عليه العرف من اجتماعات في الدواوين الخاصة. و في كل الأحوال، فقد خوّل المرسوم بقانون جهة الإدارة تطبيق أحكامه على هذه الإجتماعات و اعتبارها اجتماعات عامة إذا خرجت عن النطاق المحدد لها.

جعلت المادة ٤ من المرسوم بقانون الأصل في الإجتماع العام هو المنع، حيث اشترطت الحصول على ترخيص من المحافظ الذي سيعقد الإجتماع في دائرة اختصاصه. و حظرت المادة الإعلان عن أي اجتماع عام قبل الحصول على هذا الترخيص. و بيّنت المادتين ٥ و ٦ الإجراءات الواجب اتباعها لعقد الإجتماعات العامة من حيث طلب الترخيص و شروطه و موعد تقديمه و غيرها. و اعتبرت المادة ٦ مجرّد عدم إخطار المحافظ لمنظمي الإجتماع العام بموافقته قبل الموعد المحدّد له بيومين هو رفض للترخيص في عقد الإجتماع.

نظّمت المادة ٧ من المرسوم بقانون الإجتماعات العامة الإنتخابية و هي خارج نطاق هذا التقرير. أما المادة ٨ فقد قضت بتحريم حمل السلاح على المشتركين في الإجتماعات العامة و لو كان مرخصاً. و حددت ذات المادة المقصود بالسلاح في تطبيق أحكام هذا القانون فاعتبرت—بالإضافة إلى الأسلحة النارية و الأسلحة البيضاء—العصي و الأدوات الصلبه أو الحادة أسلحة إذا كان من غير المعتاد حملها في الأحوال العادية. و تناولت المادة ٩ عدم جواز عقد الإجتماعات العامة  إلى ما بعد منتصف الليل إلا بإذنٍ خاص من المحافظ. و أوجبت المادة ١٠ من القانون أن يكون للإجتماع العام لجنة نظام تكون مسؤولة عن ما يتضمنه الإجتماع. أما المادة ١١، فقد أعطت لرجال الشرطة الحق في حضور الإجتماعات العامة و اختيار المكان الملائم لها و فضها في حالات محددة:

  1. إذا طلبت اللجنة التنظيمية فض الإجتماع
  2. إذا وقع في الإجتماع ما يخالف الغرض من الإجتماع أو يخالف قوانين الدولة أو يخالف تعاليم الدين أو النظام العام أو الآداب أو يشتمل على إساءة لسمعة الدولة أو مساساً بالدول الشقيقة و الصديقة أو يتضمّن تحريضاً على ارتكاب الجرائم أو يدعو إلى الإخلال بالأمن أو النظام العام
  3. إذا وقعت جريمة


أما الباب الثاني من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥—و يتكوّن من ثلاث مواد فقط—فقد نظّم الصور الأخرى للإجتماعات العامة غير التي تعقد في أماكن معينة كالمواكب و المظاهرات و التجمعات. و تشترك هذه الصور من الإجتماعات العامة في أنها تقام أو تسير في الطرق و الميادين العامة و يزيد عدد المشتركين فيها على عشرين شخصاً. أحالت المادة ١٢ من المرسوم بالقانون إلى مواد في الباب الأول منه، حيث نصّت على أن تسري أحكام المواد ٤ و ٥ و ٦ و ٨ و ١٠ من هذا القانون على المواكب و المظاهرات و التجمعات“. و اكتسبت هذه الإحالات أهمية بالغة بعد أن حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض المواد المحال إليها. و اشترطت المادة ١٢ في طلب الترخيص بالمواكب و المظاهرات و التجمعات أن يذكر طلب الترخيص—بالإضافة للبيانات المنصوص عليها في المادة ٥—خط سير الموكب أو المظاهرة أو مكان التجمع.

تناولت المادة ١٣ من المرسوم بالقانون مواعيد قيام المواكب أو المظاهرات أو التجمعات، فحظرت قيامها قبل الساعة الثامنة صباحاً أو استمرارها إلى ما بعد غروب الشمس إلا بإذنٍ خاص من المحافظ. و كما جاء في المادة ١١، فقد أعطت المادة ١٤ لرجال الشرطة الحق في حضور الموكب أو المظاهرة أو التجمع و السير فيها و تعديل خط سيرها أو تحويله و فضها في الحالات المنصوص عليها في المادة ١١ و المذكورة أعلاه.

و قد حدّد الباب الثالث من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ العقوبات الواجب تطبيقها على من يخالف الأحكام الواردة في البابين الأول و الثاني من القانون.


حكم المحكمة الدستورية الصادر في ١ مايو ٢٠٠٦ في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥

صدر حكم المحكمة الدستورية في الدعوى الدستورية رقم ١ لسنة ٢٠٠٥ بعد أن أحالت المحكمة الكلية الدعوى الجزائية رقم ٢٢٣ لسنة ٢٠٠٤ إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستورية بعض مواد المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩. بدأت الدعوى بعد أن تقدمت وزارة الداخلية بشكوى إلى النيابة العامة ضد المواطنين مبارك الوعلان و الحميدي السبيعي لإقامتهما ندوة سياسية بدون ترخيص، ثم أقامت النيابة العامة الدعوى الجزائية ضد المواطنين اتهمتهما فيها بعقد إجتماع عام حضره أكثر من عشرين شخصاً بدون ترخيص من الجهة المختصة بالمخالفة للمواد ١ و ٤ و ٥ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ و طلبت معاقبتهما طبقاً لنص المادة ١٦.

و بعد اطلاع المحكمة الدستورية على الأوراق و سماعها للمرافعات و الدفوع و بعد المداولة، حكمت بعدم دستورية المادتين ١ و ٤ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ و ذلك لمخالفتهما للمواد ٣٠، ٣٤، ٣٦، و ٤٤ من دستور ١٩٦٢. و قضت المحكمة بأنه لما كانت المواد ٢، ٣، ٥، ٦، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، و ٢٠ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ مترتبة على المادتين ١ و ٤ المقضي بعدم دستوريتهما و مرتبطة بهما ارتباطاً لا يقبل الفصل أو التجزئة، فإن عدم دستورية المادتين ١ و ٤ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ يستتبع بحكم اللزوم و الإرتباط الحكم بعدم دستورية نصوص هذه المواد ( ٢، ٣، ٥، ٦، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، و ٢٠) فيما تضمنته متعلقاً بالإجتماع العام، دون أن يستطيل ذلك لما تعلّق منها بالمواكب و المظاهرات و التجمعات. (النص الكامل لحكم المحكمة الدستورية في الدعوى ٢٠٠٥/١)

و طبقاً للمادة ١٧٣ من الدستور و للقانون رقم ١٤ لسنة ١٩٧٣ بشأن إنشاء المحكمة الدستورية، فإن حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية النصوص المشار إليها أعلاه يترتّب عليه إبطال هذه النصوص و اعتبارها ”كأن لم تكن“ وفق المادة الدستورية. و طبقاً لذات القانون (١٩٧٣/١٤)، لا تقوم ولاية المحكمة الدستورية في الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية إلا باتصالها بالدعوى المنظورة أمامها و التي رفعت من خلال الوسائل التي حددها قانون إنشائها. فليس للمحكمة الدستورية الحكم بعدم دستورية نص تشريعي إلا إذا أحيل لها بإحدى الوسائل التي وضعها القانون—كالإحالة من إحدى المحاكم بناءاً على دفع جدّي تقدم به أحد أطراف النزاع كما حدث في الدعوى الدستورية ٢٠٠٥/١. و لأن الدعوى الجزائية ٢٠٠٤/٢٢٣ التي أقامتها النيابة العامة استندت على نصوص المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ المتعلقة بالإجتماع العام—و ليس التجمع أو الموكب أو المظاهرة—فإن الحكم على النصوص التشريعية المتعلقة بالمواكب أو التجمعات أو المظاهرات خارج نطاق الطعن المقدم للمحكمة الدستورية. و لا يعتبر عدم حكم المحكمة الدستورية بإبطال نصوص المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ المتعلقة بالمواكب و التجمعات و المظاهرات تحصيناً لها أو إقراراً من المحكمة الدستورية بدستورية هذه النصوص. و قد تحكم المحكمة الدستورية مستقبلاً بعدم دستورية ما تبقّى من نصوص في المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ إذا ما تم الطعن بها مستقبلاً.

و من الملاحظ أن منطوق حكم المحكمة الدستورية جاء في فقرتين، أبطلت الفقرة الأولى المادتين ١ و ٤ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ إبطالاً كاملاً، بينما أبطلت الفقرة الثانية المواد ٢، ٣، ٥، ٦، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، و ٢٠ إبطالاً جزئياً، و ذلك في ما تضمنته نصوص تلك المواد متعلقاً بالإجتماع العام. و لا مجال للقول بأن إبطال المادتين ١ و ٤ هو إبطالٌ جزئي فيما تضمنتاه متعلقاً بالإجتماع العام فقط و أن هذا الإبطال لا يستطيل للتجمعات و المواكب و المظاهرات. فقد نصت المحكمة الدستورية في حيثيات حكمها على التالي:
و أكدت المحكمة هذا الإبطال صراحةً في الفقرة الأولى من منطوق حكمها و التي نصّت على التالي: ”أولاً: بعدم دستورية المادتين ١ و ٤ من المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩في شأن الإجتماعات العامة و التجمعات“.


النصوص المتبقّية من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ بعد إبطال بعض نصوصه

بعد حكم المحكمة الدستورية أعلاه، تمّ عملياً إبطال جميع نصوص الباب الأول من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥، و أصبحت الإجتماعات العامة تستمد مشروعيتها من الدستور مباشرة. فلا يوجد خلاف حالياً حول قانونية عقد الإجتماعات العامة. و من الجدير بالملاحظة إنه بعد إلغاء المادة ١ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥—التي بيّنت المقصود بالإجتماع العام—لا توجد حالياً أي نصوص تشريعية قائمة تحدد المعنى الدقيق للإجتماع العام.

أما ما يتعلق بالمواكب و المظاهرات و التجمعات، فنصوص الباب الثاني من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ (المواد ١٢، ١٣، و ١٤) ما زالت قائمة. و كذلك، ما زالت نصوص الباب الثالث من المرسوم بقانون (المواد ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، و ٢٠)—و الخاصة ببيان العقوبات على مخالفة أحكام القانون—قائمة فيما تضمنته متعلقاً بالمواكب و المظاهرات و التجمعات. إلا أن الجدير بالذكر أن المادة ١٢ من المرسوم بقانون ١٩٧٩/٦٥ أحالت إلى بعض المواد في الباب الأول، حيث نصّت في فقرتها الأولى على أن ”تسري أحكام المواد ٤ و ٥ و ٦ و ٨ و ١٠ من هذا القانون على المواكب و المظاهرات و التجمعات“. و حيث أن حكم المحكمة الدستورية قد أبطل المادة ٤ من المرسوم بقانون ١٩٧٩/٦٥ إبطالاً كاملاً—و هي المادة التي أوجبت الحصول على ترخيص من المحافظ قبل إقامة النشاط (نص المادة أعلاه)—فقد أصبحت النصوص المتبقية من المرسوم بالقانون لا تشترط صراحةً الحصول على ترخيص قبل إقامة أو تسيير موكب أو مظاهرة أو تجمع. إلا أن بقية المواد التي أحالت إليها المادة ١٢—و هي المواد ٥، ٦، ٨، و ١٠—ما زالت قائمة، و قد بيّنت منها المادتان ٥ و ٦ إجراءات طلب الترخيص. و كذلك مواد الباب الثالث من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ ما زالت قائمة فيما يتعلق بالمواكب و المظاهرات و التجمعات، و منها على سبيل المثال المادة ١٦ التي نصّت الفقرة الأولى منها على أنه ”يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين و بغرامة لا تتجاوز ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نظّم أو عقد موكباً أو مظاهرةً أو تجمعاً دون ترخيص و كل من دعى إلى ذلك“. و تضمّنت المادة ١٤ من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ إحالةً إلى المادة ١١ منه و التي بدورها أحالت إلى المادة ١٠، و جميع هذه النصوص ما زالت قائمة فيما يتعلّق منها المواكب و المظاهرات و التجمعات.

و عليه، فإن الشكل الحالي للمرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات و بعد إلغاء النصوص المبطلة يكون كالتالي: مرسوم بقانون ١٩٧٩/٦٥ بعد إبطال بعض نصوصه.


الخلاصة

يتضح من الإستعراض أعلاه أن المواكب و المظاهرات و التجمعات—و التي عرّفها المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ على أنها نوع من الإجتماعات العامة تقام في الطرق و الميادين العامة و يزيد عدد المشتركين فيها على عشرين شخصاً—ما زالت مجرّمة إذا لم تلتزم بالشروط و الأحكام التي وضعها القانون. فما زالت نصوص الباب الثالث—حتى بعد حكم المحكمة الدستورية—نافذة و صريحة في توقيع الجزاء على كل من نظم أو عقد أو دعى إلى موكب أو مظاهرة أو تجمع دون ترخيص (مادة ١٦)، كل من نظم موكب أو مظاهرة أو تجمع مرخصاً فيه إذا خالف أحكام ٥ أو ٧ أو ٨ أو ١٠ من القانون (مادة ١٧ و ١٩)، و كل من لا يستجيب  للأوامر الصادرة بالفض أو تعديل خط السير (مادة ٢٠). (أنظر شكل المرسوم بقانون ١٩٧٩/٦٥ بعد حكم المحكمة الدستورية).

و من الملاحظ عدم استناد وزارة الداخلية على ما تبقى من نصوص المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات في توجيه التهم ضد المشتركين في المواكب أو المظاهرات أو التجمعات، و لجوؤها إلى تحريك الدعاوى و توجيه التهم استناداً على نصوص تشريعية أخرى كالتجمهر في مكان عام بغرض الإخلال بالأمن العام (مادة ٣٤ من قانون ١٩٧٠/٣١) أو التطاول على مسند الإمارة و العيب في ذات الأمير (مادة ٢٥ من قانون ١٩٧٠/٣١) و غيرها. و قد يكون هذا لحماية ما تبقى من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ و عدم إتاحة الفرصة للطعن في دستوريتها خلال نظر الدعاوى الجزائية.

2012/10/28

هل المسيرات السياسية جائزة وفق القانون الكويتي؟

قد يكون الجدل الثائر حول قانونية الإحتجاجات السياسية عن طريق تنظيم المظاهرات أو المسيرات، قد يكون هو الجدل الأكثر أهمية على الساحة القانونية في الكويت منذ أواخر ٢٠١٠. فتزامناً مع ما يسمى بالربيع العربي، شهدت الكويت—و ما زالت—احتجاجات شعبية واسعة سواء من خلال تنظيم الندوات و الخطب العامة أو من خلال تنظيم المسيرات.

و قد أبدى الكثير من ذوي الإختصاص آراءهم حول مدى جواز تنظيم المسيرات السياسية و المشاركة بها. و أبدى كذلك بعض رجال الدين أراءهم الدينية حول مدى جواز المسيرات السياسية دينياً. إلا أن الرأي الديني خارج نطاق اهتمام هذا المقال، خصوصاً أن الكويت دولة تقوم على دستور، و هو المرجعية الوحيدة في الفصل في مدى جواز أو عدم جواز أفعال الأفراد.


فالسؤال هنا هو: هل المسيرات السياسية مشروعة وفق القانون الكويتي و الإتفاقيات الدولية؟



للإجابة على هذا السؤال سأتطرق في هذا المقال إلى عدة مباحث أوردها هنا اختصاراً:

  • دستور الكويت ١٩٦٢
  • المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات و حكم المحكمة الدستورية الصادر في ١ مايو ٢٠٠٦ في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥ بإلغاء بعض مواد القانون المذكور
  • الإتفاقيات و العهود الدولية التي وافق عليها مجلس الأمة و صدق عليها الأمير و أصدرت بقوانين

المبحث الأول: دستور الكويت ١٩٦٢


كفل دستور ١٩٦٢ للأفراد عامةً حق التعبير عن الرأي، و نصت المادة ٣٦ من الدستور على ”و لكل إنسان حق التعبير عن رأيه و نشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، و ذلك وفقاً للشروط و الأوضاع التي يبينها القانون“. و من الملاحظ استخدام المشرّع الدستوري للفظة ”إنسان“ في المادة—بدلاً من ”المواطن“ التي استخدمت في مواضع أخرى من الدستور—و لهذا دلالة على أن حق التعبير عن الرأي حق عام و شامل لأي إنسان بغض النظر عن جنسيته. و من الملاحظ أيضاً استخدام المشرع الدستوري لعبارة ”أو غيرهما“ و في ذلك دلالة واضحة أن للأفراد ممارسة حقهم في التعبير عن الرأي و نشره بأي وسيلة، و ذلك وفقاً للقانون. و مما لا شك فيه أن التجمعات و السيرات و المظاهرات السلمية من وسائل التعبير عن الرأي.


بالإضافة إلى حق التعبير عن الرأي، فقد كفل دستور ١٩٦٢ للأفراد حق الإجتماع، و نص في المادة ٤٤ على أن للأفراد حق الإجتماع دون حاجة لإذن أو إخطار سابق، و لا يجوز لأحد من قوات الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة. و الإجتماعات العامة و المواكب و التجمعات مباحة وفقاً للشروط و الأوضاع التي يبينها القانون، على أن تكون أغراض الإجتماع و وسائله سلمية و لا تنافي الآداب.“ و الملاحظ أن المادة قررت أن للأفراد حق الإجتماع دون حاجة لإذن أو إخطار سابق قبل أن تبيّن أنواع الإجتماعات الخاصة و العامة. كما يلاحظ أن المادة الدستورية قررت أن مجرد إخطار السلطات عن نيّة الأفراد لعقد اجتماعاتهم هو أمر مرفوض، فضلاً عن أخذ الإذن المسبق. و الملاحظ في هذه المادة أيضاً أن المشرع الدستوري استخدم لفظة ”للأفراد“ دون تحديد لجنسياتهم أو توجهاتهم السياسية، و دون تحديد لموضوع الإجتماع أو التجمع سوى أن يكون سلمياً و لا ينافي الآداب و القانون.

نشر المدون داهم القحطاني دراسة تطرّق فيها إلى ما تضمنته المذكرة التفسيرية من نصوص تتعلق بحق الأفراد في الإجتماع أو التجمع، و هو ما لم أغطيه في هذا المقال. يمكنكم الإطلاع على الدراسة هنا.


المبحث الثاني: المرسوم بالقانون رقم ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات و حكم المحكمة الدستورية الصادر في ١ مايو ٢٠٠٦ في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥ بإلغاء بعض مواد القانون المذكور



في ٥ يونيو ١٩٦٣، أصدر مجلس الأمة في—فصله التشريعي الأول—القانون رقم ١٣ لسنة ١٩٦٣ بشأن الإجتماعات و المواكب و الإجتماعات. و كان هذا القانون أحد أسباب استقالة ثمانية من أعضاء مجلس الأمة في ٢٨ ديسمبر ١٩٦٥. و حيث أن الموضع هنا موضع اختصار و ليس موضع بسط و تفصيل، سأورد أهم ما جاء في القانون فقط. بيّن القانون ١٩٦٣/١٣ المقصود بالإجتماع العام، حيث اشترط توافر شرطين في الإجتماع العام: أن يعقد الكلام في موضوع عام و أن يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص بدون دعوة شخصية فردية. أما فيما يخص المواكب و المظاهرات و التجمعات العامة فقد اشترط القانون أن تقام أو تسير في الطرق أو الميادين العامة، فلا يعتبر تجمعاً عامّاً ما عقد في الأماكن الخاصة. و اشترط القانون ١٩٦٣/١٣ أيضاً في المواكب و المظاهرات و التجمعات أن يزيد عدد المشتركين فيها عن عشرين شخصاً. أوجب القانون على منظمي الإجتماعات العامة أو التجمعات إخطار المحافظ كتابةً قبل موعد عقدها، و نص على أنه لا يجوز للمحافظ منعها إلا إذا كان من شأنها الإخلال بالأمن أو النظام العام. و في حال المنع، أوجب القانون على المحافظ إبلاغ المنظمين قبل الموعد الإجتماع أو التجمع بيوم مع ذكر الأسباب، و أجاز لهم التظلم من قرار المنع.


في ١٠ أكتوبر ١٩٧٩، و خلال فترة الحل غير الدستوري لمجلس الأمة، صدر المرسوم بالقانون ٦٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الإجتماعات العامة و التجمعات، حيث ألغى القانون ١٩٦٣/١٣. أهم ما جاء بالمرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ أنه عرّف الإجتماع العام على نحو يوسّع نطاقه و يضيّق نطاق الإجتماع الخاص الذي جعله الدستور مباحاً، حيث اعتبر القانون اجتماعاً عامّاً أي اجتماع يستطيع حضوره عشرين شخصاً لمناقشة موضوعات عامة أو أمور تتعلق بفئات معينة و لم يجري أي تعديل بالمقصود بالمواكب و المظاهرات و التجمعات. كما جعل المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ الأصل هو منع الإجتماع العام متى ما لم يصدر به ترخيص (المادة ٤)، حيث اشترط الحصول على ترخيص قبل عقد أو تنظيم أو الدعوة لأي اجتماع عام أو تجمع، و نص في المادة ٦ أنه إذا لم يخطر المحافظ مقدمي طلب عقد الإجتماع العام أو التجمع بموافقته، ”اعتبر ذلك رفضاً للترخيص“.

في ١ مايو ٢٠٠٦، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠٠٥ ألغت بموجبه كل ما يتعلق بالإجتماعات العامة في المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥. حيث حكمت المحكمة بعدم دستورية المادتين ١ و ٤ من المرسوم بالقانون و بعدم دستورية نصوص بقية المواد فيما تضمنته متعلقاً بالإجتماعات العامة دون أن يستطيل إبطال النصوص المشار إليها لما تعلق منها بالمواكب و المظاهرات و التجمعات. بعد إلغاء هذه المواد و النصوص من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥، أصبحت اجتماعات الأفراد العامة تستمد مشروعيتها مباشرة من المادة ٤٤ من دستور ١٩٦٢، فلم يصدر حتى الآن قانون لتنظيم الإجتماعات العامة.

أما ما بقي من نصوص المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ متعلقاً بالمواكب و المظاهرات و التجمعات فقد بقي نافذاً. و هذا لا يعني بالضرورة أن المحكمة الدستورية قد حصّنت أو أضفت الدستورية على هذه النصوص. و لكن لأن هذه النصوص تخرج عن نطاق الطعن المقدّم للمحكمة الدستورية، فلا تملك المحكمة الدستورية—حسب قانون إنشائها—البت في دستورية أو عدم دستورية النصوص غير المتعلقة أو المرتبطة بموضوع الطعن. و قد تحكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية النصوص المتبقية من المرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ إذا ما تم تقديم طلب من مجلس الأمة أو مجلس الوزراء أو تم الطعن بها مستقبلاً.


المبحث الثالث: الإتفاقيات و العهود الدولية التي وافق عليها مجلس الأمة و صدق عليها الأمير و أصدرت بقوانين

تنص المادة ٧٠ من دستور ١٩٦٢ على التالي: ”.. على أن معاهدات الصلح و التحالف، و المعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية أو بحقوق السيادة أو حقوق المواطنين العامة أو الخاصة، و معاهدات التجارة و الملاحة، و الإقامة، و المعاهدات التي تحمّل خزانة الدولة شيئاً من النفقات غير الواردة في الميزانية أو تتضمن تعديلاً لقوانين الكويت، يجب لنفاذها أن تصدر بقانون“. و قد أبرمت دولة الكويت العديد من الإتفاقيات الدولية المتعلقة بالأمور المذكورة في المادة الدستورية السابقة و وافق عليها مجلس الأمة و أصدرها بقوانين، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الذي تطرقت له في مقالي حول مشروعية الإضراب في القانون الكويتي.

إحدى هذه الإتفاقيات هي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٩٦٦ و وافقت عليه دولة الكويت و صدر به القانون رقم ١٢ لسنة ١٩٩٦. و قد نصت المادة ٢١ من العهد على أنه يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به. و لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقاً للقانون و تشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين و حرياتهم.“ و مع أن دولة الكويت قد أصدرت إعلاناً تفسيرياً في شأن مدى الإلتزام ببعض نصوص العهد و تحفظاً على نصوصٍ أخرى، إلا أن أيّاً منها لم يكن بشأن المادة ٢١ سابقة الذكر.



الخلاصة

يتضح من الإستعراض أعلاه أن الإجتماعات العامة مباحة و تستمد مشروعيتها مباشرةً من الدستور، و ذلك بعد إلغاء المحكمة الدستورية للنصوص القانونية المتعلقة بالإجتماعات العامة. و هذا معناه أن الندوات العامة التي تعقد في الدواوين أو المنازل أو أمامها لا تحتاج إلى إخطار السلطات العامة أو إلى أخذ إذن سابق لعقدها. في الجانب الآخر، و حتى بعد إلغاء المحكمة الدستورية للنصوص المتعلقة بالإجتماعات العامة و التي تشمل المعنى المقصود بالإجتماع العام، فإن المعاني المقصودة بـالمواكب و المظاهرات و التجمعات“—و المذكورة في المذكرة التفسيرية للمرسوم بالقانون ١٩٧٩/٦٥ و المتضمنة لشرط إقامة أو تسيير هذه الأنشطة في الطرق أو الميادين العامة و مشاركة ما يزيد عن عشرين شخصاً بها—هذه المعاني لا تزال قائمة لم يتم إلغاؤها. و بالتالي، فإن شرط الحصول على ترخيص قبل إقامة المواكب و المظاهرات و التجمعات ما زال قائماً.

و بعد إصدار القانون ١٩٩٦/١٢ بالموافقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية، و الذي نص في المادة ٢١ على حق الأفراد في التجمع السلمي و قرر أنه لا يجوز وضع قيود على هذا الحق إلا في حدودٍ ضيقة، فيجب على السلطات عدم وضع قيود تحول دون ممارسة الأفراد لهذا الحق الذي أقره الدستور الكويتي.

و بكل تأكيد فإن موضوع التجمع السلمي و التعبير عن الرأي بالوسائل السلمية—بما فيها التجمعات و المسيرات في الطرق و الساحات و الميادين العامة—ليس موضوعاً قانونياً فقط، بل يمتد إلى نطاقات أخرى سياسية و حقوقية قد تفوق أهميتها مدى مشروعية إقامة المسيرات و التجمعات من عدمها من الناحية القانونية البحتة.

2012/04/04

فراغ تشريعي حول أعمال لجان التحقيق البرلمانية

يحق لمجلس الأمة في كل وقت أن يؤلف لجان تحقيق أو يندب عضواً أو أكثر من أعضائه للتحقيق في أي أمر من الأمور الداخلة في اختصاص المجلس. و يجب على الوزراء و جميع موظفي الدولة تقديم الشهادات و الوثائق و البيانات التي تطلب منهم.—المادة ١١٤ من دستور الكويت ١٩٦٢.

تعتبر لجان التحقيق البرلمانية من أهم الأدوات الرقابية التي منحها الدستور لمجلس الأمة. و قد نظم القانون رقم ١٢ لسنة ١٩٦٣ بشأن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة المعدل بالقانون رقم ١ لسنة ١٩٦٤ بشأن التحقيق البرلماني و إصلاح الجهاز الإداري آلية تأليف لجان التحقيق و الصلاحيات المقررة لها، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة ١٤٧ من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة (و المضافة بالقانون ١٩٦٤/١) على أن تكون للجان التي يشكلها مجلس الأمة للتحقيق في أمر معين من الأمور الداخلة في اختصاصه وفقاً للمادة ١١٤ من الدستور الصلاحيات المقررة في المادتين ٨ و ٩ من اللائحة الداخلية في شأن الفصل في صحة العضوية، و تشمل هذه الصلاحيات استدعاء الشهود و طلب المستندات و الوثائق من أجهزة الدولة المختلفة للاطلاع عليها.

و قد نظمت المادة ٩ من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة كيفية التعامل مع الشهود في حال عدم تعاونهم، حيث نصت على أنه إذا تخلف الشهود عن الحضور أمام اللجنة بعد إعلانهم بالطريق القانوني، أو حضروا و امتنعوا عن الإجابة، أو شهدوا بغير الحق، فللجنة أن تطلب من رئيس المجلس مخاطبة وزير العدل بشأن رفع الدعوى العمومية عليهم طبقاً لقانوني الجزاء و الاجراءات الجزائيةو الملاحظ أن المشرع القانوني ربط عدم تعاون من يتم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم في لجان التحقيق بالقانون رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ بشأن قانون الجزاء و القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٦٠ بشأن الاجراءات و المحاكمات الجزائية و القوانين المعدلة لهما. إلا أن قانون الجزاء لا يحتوي على أي نص يجرم عدم تعاون الشهود مع لجان التحقيق البرلمانية إلا فيما احتوته المادة ١٣٩ منه بشأن شهادة الزور. حيث نصت المادة المذكورة على أنكل شخص كلف بأداء الشهادة أمام جهة غير قضائية و أقسم يميناً بالتزام الحقيقة، فأدلى ببيانات كاذبة و هو يعلم عدم صحتها، يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة و بغرامة لا تجاوز ألف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين.

و طبقاً للقاعدة القانونية و المادة ٣٢ من الدستور و المادة ١ من قانون الجزاءلا جريمة و لا عقوبة إلا بناء على قانونلا يترتب على النصوص الحالية لقانون الجزاء أي جزاء على عدم تعاون الشهود مع لجان التحقيق البرلمانية، باستثناء ما تم ذكره بشأن شهادة الزور أعلاه. و تجدر الإشارة إلى أن المادة ١٣٩ من قانون الجزاء ربطت جريمة شهادة الزور أمام الجهات غير القضائية، و منها لجان التحقيق البرلمانية، بحلف اليمين بالتزام الحقيقة قبل الإدلاء بالشهادة، و هو ما لا تملك لجان التحقيق البرلمانية إلزام الشهود به. فلا يوجد أي نص في الدستور أو القانون يوجب اليمين على الشهود أمام الجهات غير القضائية.

و مما يترتب على النصوص الحالية، فإن إدلاء الشهود أمام لجان التحقيق البرلمانية بشهادات غير صحيحة دون أدائهم اليمين، أو حتى تخلفهم عن الحضور أمام هذه لجان، أو امتناعهم عن الشهادة، أو عدم تقديمهم الوثائق و البيانات التي تطلب منهم في موضوع التحقيق لا تعتبر أفعالاً مجرمة وفق النصوص الحالية للقانون.

و من الجدير بالذكر أن المشرع الدستوري قد منح في ١٩٦٢ لمجلس الأمة الحق في تشكيل لجان التحقيق، و الذي تم تنظيمه بالقانون ١٩٦٣/١٢ بشأن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة و تعديله بالقانون رقم ١٩٦٤/١ بشأن التحقيق البرلماني و إصلاح الجهاز الإداري الصادر في يناير ١٩٦٤. و منذ ذلك الحين، لم يصدر المشرع أي قوانين تنظم أعمال التحقيق البرلمانية و العقوبات الجزائية المترتبة على الامتناع عن الشهادة أو عدم التعاون مع لجان التحقيق، و اكتفى بنصوص قانوني الجزاء و الاجراءات الجزائية و كلاهما صادر قبل أن يمنح الدستور لمجلس الأمة الحق في التحقيق أصلاً، و لم تطرأ على أي منهما أي تعديلات فيما يخص التحقيق البرلماني.

يتضح جلياً من خلال استعراض النصوص القانونية أعلاه وجود فراغ تشريعي كبير إزاء أعمال لجان التحقيق البرلمانية و الجزاءات المترتبة على عدم التعاون معها و التي أضحت معه اللجان غير قادرة على أداء مهامها على النحو المطلوب.

للاستزادة: http://www.kna.kw/clt/run.asp?id=1187

2012/03/20

هل الإضراب جائز وفق القانون الكويتي و الاتفاقيات الدولية؟

تعيش الكويت حالة من الفوضى بسبب إضراب العاملين في بعض القطاعات عن العمل و مطالبة نقاباتهم بالحصول على مزايا مالية. و قد تضاربت الأقوال حول مشروعية الإضراب في الكويت، فهناك من رأى—و على رأسهم ممثلي النقابات و الجمعيات المهنية—أن الإضرابات جائزة وفق الأطر و القيود التي وضعتها الإتفاقيات الدولية و التي صدقت عليها دولة الكويت. و هناك من رأى أن الإضرابات غير جائزة من الناحية القانونية إما لمخالفتها لنصوص قانونية قائمة أو لعدم وجود تشريعات تنظمها.

التساؤل حول مشروعية الإضرابات تساؤل مستحق و ذلك لعدم تطرق المشرّع الكويتي بشكل صريح و واضح لها. و السؤال هو: هل الإضراب جائز وفقاً للقوانين الكويتية و الاتفاقيات الدولية؟

بدايةً، يمكن تعريف الإضراب على أنه اتفاق عدد من الموظفين على الامتناع عن العمل الواجب عليهم بمقتضى القوانين و اللوائح (أو عقد العمل) مع التمسّك بمزايا الوظيفة1. و الإضراب أحد الحقوق التي تكفلها الدساتير و تنظمها القوانين و تقر بها الاتفاقيات الدولية. فمثلاً، نظم القانون الفرنسي الإضراب بحيث لا تحتسب مدة إضراب العاملين و تخصم أيام انقطاعهم عن العمل من مدة خدمتهم. كذلك، أجاز المشرّع الفرنسي للنقابات و الاتحادات الإضراب من أجل المطالبات العمالية فقط و حظر استخدامه للمطالبات السياسية مثلاً.

سأستعرض هنا التشريعات الكويتية و الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالإضراب. لم ترد مفردة الإضراب في أي من التشريعات الكويتية و استخدم المشرّع الكويتي في بعض التشريعات ما يفيد الإضراب. فمثلاً، في القانون رقم ٦ لسنة ٢٠١٠ بشأن العمل في القطاع الأهلي، نصت المادة ١٣٢ على
يحظر على طرفي المنازعة وقف العمل كلياً أو جزئياً أثناء إجراءات المفاوضة المباشرة أو أمام لجنة التوفيق أو أمام هيئة التحكيم أو بسبب تدخل الوزارة المختصة في المنازعات عملاً بأحكام هذا الباب.
و مفهوم هذه المادة أن الوقف الكلي أو الجزئي للعمل أو ما يسمى اصطلاحاً بالإضراب محظور أثناء إجراءات حل المنازعات بالترتيب المذكور في القانون رقم ٦ لسنة ٢٠١٠. و لم يرد أي نص آخر في القانون يحظر الإضراب بعد إجراءات حل المنازعات بما يفيد بمشروعية الإضراب في هذه الحالات. و من المهم الإشارة إلى أن أحكام هذا القانون تسري فقط على العاملين في القطاع الأهلي (الخاص) و القطاع النفطي و العاملين على عقد العمل البحري (مع بعض الاستثناءات). و بعبارة أخرى، لا تنطبق أحكام هذا القانون على العاملين في القطاع الحكومي.

أما في ما يخص العاملين في القطاع الحكومي، فقد نصت المادة ٢٣ من المرسوم بالقانون رقم ١٥ لسنة ١٩٧٩ بشأن الخدمة المدنية على أنه "لا يجوز للموظف أن ينقطع عن عمله إلا في حدود الإجازات التي يصرح له بها." و قد أوضح المرسوم بالقانون نفسه واجبات الموظف، و منها أداء أعمال الوظيفة، الالتزام بمواعيد العمل الرسمية، طاعة رؤساء العمل، و غيرها. و نصت الفقرة ٢ من المادة ٢٤ من المرسوم بالقانون بأنه "يجب على الموظف أن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء واجبات وظيفته، و يجوز تكليفه بالإضافة إلى ذلك بالعمل في غير الأوقات الرسمية إذا اقتضت ذلك مصلحة العمل أو طبيعة الوظيفة." و من المناسب التنويه بأن مواعيد العمل الرسمية تحدد بقرار (أو تعميم) من ديوان الخدمة المدنية. تسري أحكام هذا القانون على العاملين في الجهات الحكومية و الجهات التي تنظم شؤون الخدمة فيها قوانين خاصة فيما لم يرد بشأنه نص خاص في هذه القوانين. و غني عن البيان أن الوقف الكلي أو الجزئي للعمل في المرافق الحكومية يخالف ما نصت عليه المادة ٢٤ السابق ذكرها في ما يخص واجبات الموظف.

و في كل الأحوال، لا يجوز تعطيل المرفق تعطيلاً كاملاً، فضرورة استمرار المرفق في أداء خدماته و انتظام العمل فيه تفوق في أهميتها حق العاملين في الإضراب للمطالبة بمزايا مالية عند التعارض الكامل بينهما. و لا يجوز في كل الأحوال الإضرار بالمصلحة العليا للدولة بتعطيل مرافقها2.

أما في ما يتعلق بالاتفاقيات الدولية و العربية، فقد نصت المادة ٧٠ من الدستور الكويتي بأنه
يبرم الأمير المعاهدات بمرسوم و يبلغها مجلس الأمة فوراً مشفوعة بما يناسب من البيان. و تكون للمعاهدة قوة القانون بعد إبرامها و التصديق عليها و نشرها في الجريدة الرسمية. على أن معاهدات الصلح و التحالف، و المعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة أو ثرواتها الطبيعية، أو بحقوق السيادة أو حقوق المواطنين العامة أو الخاصة، و معاهدات التجارة و الملاحة و الإقامة، و المعاهدات التي تحمّل خزانة الدولة شيئاً من النفقات غير الواردة في الميزانية، أو تتضمن تعديلاً لقوانين الكويت، يجب لنفاذها أن تصدر بقانون، و لا يجوز في أي حال أن تتضمن المعاهدة شروطاً سرية تناقض شروطها العلنية. 
فقد اشترط الدستور الكويتي موافقة مجلس الأمة على الاتفاقيات المتعلقة بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة—و منها حق العاملين في الإضراب عن العمل. فلا تصبح هذه الاتفاقيات نافذة و لا يكون لها قوة القانون إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة و أصدرها بقانون.

من أشهر الاتفاقيات الدولية بشأن حق التنظيم النقابي اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم ٨٧ لسنة ١٩٤٨ بشأن الحرية النقابية و حماية حق التنظيم و رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٩ بشأن حق التنظيم و المفاوضة الجماعية. كثيراً ما يستشهد النقابيون بهاتين الاتفاقيتين، خاصةً أن الكويت قد صدقت عليهما في ١٩٦١ و ٢٠٠٧ على التوالي. إلا أن الاتفاقيتين لم تتطرقا صراحةً إلى حق العاملين في الإضراب عن العمل—بل لم ترد كلمة إضراب في نص أي منهما.

في ١٩٩٤، أصدر مؤتمر العمل الدولي في دورته الحادية و الثمانين تقريراً عن الإتفاقيتين ١٩٤٨/٨٧ و ١٩٤٩/٩٨ سابقتي الذكر، تضمّن أن الحق في الإضراب جزء لا يتجزأ من الحق في تكوين النقابات الذي حمته الاتفاقية رقم ٨٧ لسنة ١٩٤٨ (الفقرة ١٥١ من التقرير، صفحة ٦٦).


من الاتفاقيات الأخرى ذات العلاقة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الذي اعتمدته الأمم المتحدة في ١٩٦٦ و وافقت عليه الكويت و صدر به القانون رقم ١١ لسنة ١٩٩٦. إلا أن الكويت قد سجلت تحفظاً على بعض بنود الاتفاقية و منها البند (د) الوارد في الفقرة الأولى من المادة ٨ من الاتفاقية و الذي ينص على "تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة حق الإضراب شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعني." و تضمن القانون رقم ١١ لسنة ١٩٩٦ بشأن الموافقة على العهد إصدار إعلان تفسيري بشأن مدى التزام بأحكام بعض بنود العهد، و منها البند المتعلق بحق الإضراب.

إلى جانب الاتفاقيات الدولية، أصدرت منظمة العمل العربية—و هي منظمة تابعة لجامعة الدول العربية—الاتفاقية العربية رقم ٨ لسنة ١٩٧٧ بشأن الحريات و الحقوق النقابية. و قد تضمنت الاتفاقية في المادة ١٢ على أن "للعمال حق الإضراب للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية بعد استنفاذ طرق التفاوض القانونية لتحقيق هذه المصالح." إلا أن الكويت لم تصدق على هذه الإتفاقية و قدمت تقريرها حولها و جاء فيه:
توجد صعوبات عملية تحول دون التصديق على هذه الاتفاقية و هذه الصعوبات تتمثل في إقرار حق الإضراب و الذي يمكن أن يؤدي إلى شلل كامل في القطاع النفطي الذي يعتبر المورد الرئيسي للدخل القومي في دولة الكويت.
يتضح من الاستعراض أعلاه أن التشريعات الكويتية و الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها الكويت لم تبح الإضراب، و أن ما يثار حول مشروعية الإضرابات وفق القانون الكويتي و الاتفاقات الدولية الملزمة عارٍ عن الصحة. و على الرغم من اقتناعي أن من حق النقابات و الجمعيات المهنية الدفاع عن حقوق من تمثلهم و المطالبة بتحسين أوضاعهم الوظيفية، إلا أن هذا الحق حق مقيّد و لا يجب أن تتم المطالبات بوسائل مخالفة للقانون. فلا يجوز أن يترتب على استعمال حق النقابات في المطالبة بحقوق منتسبيها أن تتعطل المرافق العامة و مصالح الأفراد.

و يتضح كذلك أن هناك فراغاً تشريعياً في الكويت في ما يتعلق بالإضراب عن العمل يجب أن يتصدى له المشرّع الكويتي بإصدار قانون ينظم الإضراب الجزئي في القطاع العام و يمنع الإضراب الكلي أو المفتوح لفترة غير محددة.